محمد سعيد رمضان البوطي

89

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

- وإن غايتهم الشبع بعد الجوع - كي يقبل بعرض قريش ؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيء أكثر من الحكم يكون في أيديهم والمال يكون في جيوبهم ؟ ولقد قوطع محمد صلّى اللّه عليه وسلم ومعه أصحابه المسلمون عن سبيل كل معايشة اقتصادية واجتماعية مع بني قومه ، فلم تترك سلعة تتسلل إلى أيديهم ، ولم يترك طعام يدخل إلى بيوتهم ، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر ، وهم على ذلك صابرون ، محدقون برسولهم عليه الصلاة والسلام . أفهكذا يصنع من تعتلج وراء صدره الثورة من أجل لقمة العيش ؟ ! . . وعندما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وهاجر إليها من قبله ومن بعده أصحابه ، تركوا المال والأرض والممتلكات المختلفة واستقبلوا بوجوههم شطر المدينة المنورة ، وقد تجردوا عن كل ما يتعلق به الطامعون في المال ، لا يبتغون عن إيمانهم باللّه بديلا ، ولا يقيمون وزنا لدنيا فاتتهم ولملك أدبر عنهم ، أفهذا هو الدليل على أنها ثورة يسارية قامت من أجل لقمة طعام ؟ ! . . قد يكون دليل هؤلاء الناس على ما يتصورون ، ملاحظة الأمرين التاليين : الأول : أن الجماعة الأولى من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم في مكة ، كانت على الأغلب من الفقراء والموالي والمضطهدين ، وهو يدل على أنهم ينفّسون باتباعهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عن شيء من كربهم ، وأنهم كانوا يتأملون مستقبلا اقتصاديا أفضل لأنفسهم في ظل الدين الجديد . الثاني : أن هؤلاء الأصحاب ، ما لبثوا بعد حين أن فتحت عليهم آفاق الدنيا ، وأقبل إليهم الثراء والمال ، وهو دليل على أن خطة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كانت ترمي إلى تحقيق هذه الغاية . وأنت إذا تأملت في استدلالهم على ما يتصورونه ، بهاتين الملاحظتين ، أدركت كم هو نصيب الخيال والوهم من عقولهم ومنهج تفكيرهم . أمّا أن الجماعة الأولى من أصحابه صلّى اللّه عليه وسلم كانت على الأغلب من الفقراء والموالي ، فنعم ، ولكن ليس بين هذه الحقيقة وذلك الوهم أي علاقة أو نسب . إن شريعة تقضي بإرساء ميزان العدالة بين الناس ، وبالضرب على يد كل ظالم وطاغية ومستكبر ، من المسلم به أن يعرض عنها بل أن يحاربها أولئك الذين استمرؤوا حياة البغي والظلم ، لأنها تحملهم المغارم أكثر من أن تقدم إليهم المغانم ، كما أن من المسلم به أن يرحب بها كل مستضعف مظلوم ، بل كل إنسان ليس له في تجارة البغي والاستغلال نصيب ؛ لأنها تقدم لهم المغانم أكثر من أن تحملهم المغارم ، أو لأنهم - على أقل تقدير - ليست لهم مع الناس مشكلات تجعلهم يستثقلون تبعاتها وتكاليفها . إن معظم من كان حول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان مستيقنا أنه على حق وأنه نبي مرسل ، ولكن أرباب الزعامة وعشاق العظمة والسيطرة ، وجدوا من طبيعتهم وظروفهم ما أصبح عائقا لهم عن